سيد محمد طنطاوي
175
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
الْعِظامَ لَحْماً ، ثُمَّ أَنْشَأْناه خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّه أَحْسَنُ الْخالِقِينَ . « 1 » . فإن قيل : إنهم كانوا يعترفون بأن اللَّه - تعالى - قد خلقهم ، بدليل قوله - تعالى - : ولَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّه . . . فما فائدة قوله - سبحانه - * ( نَحْنُ خَلَقْناكُمْ . . . ) * ؟ فالجواب أنهم لما كان اعترافهم بمنزلة العدم ، حيث أشركوا مع اللَّه - تعالى - آلهة أخرى في العبادة قيل لهم على سبيل الإلزام والتبكيت : * ( نَحْنُ خَلَقْناكُمْ . . . ) * . ثم ذكر - سبحانه - بعد ذلك أربعة أدلة على صحة هذا البعث وإمكانه ، أما الدليل الأول فتراه في قوله - تعالى - : * ( أَفَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ ، أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَه أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ . . . ) * . وقوله : * ( تُمْنُونَ ) * مأخوذ من أمنى بمعنى قذف المنى ، يقال : أمنى الرجل النطفة ، إذا قذفها . والاستفهام للتقرير ، والرؤية علمية . و * ( ما ) * موصولة وهي المفعول الأول لقوله * ( أَفَرَأَيْتُمْ ) * والجملة الفعلية صلة الموصول ، والعائد إلى الموصول محذوف . وجملة : أأنتم تخلقونه . . . هو المفعول الثاني . والضمير المنصوب في قوله : * ( تَخْلُقُونَه ) * يعود إلى الاسم الموصول في قوله : * ( ما تُمْنُونَ ) * . أي : أخبروني - أيها المشركون عما تصبونه وتقذفونه من المنى في أرحام النساء ؟ أأنتم تخلقون ما تمنونه من النطف علقا فمضغا . . أم نحن الذين خلقنا ذلك ؟ لا شك أنكم تعرفون بأننا نحن الذين خلقنا كل ذلك ، وما دام الأمر كما تعرفون ، فلما ذا عبدتم مع اللَّه - تعالى - آلهة أخرى . فالاستفهام للتقرير حيث إنهم لا يملكون إلا الاعتراف بأن اللَّه - تعالى - وحده خلق الإنسان في جميع أطواره . قال الجمل : و * ( أَمْ ) * في هذه المواضع الأربعة منقطعة ، لوقوع جملة بعدها ، والمنقطعة تقدر ببل والهمزة الاستفهامية ، فيكون الكلام مشتملا على استفهامين ، الأول : أأنتم تخلقونه ؟ وجوابه : لا . والثاني : مأخوذ من * ( أَمْ ) * أي : بل أنحن الخالقون ؟ وجوابه نعم « 2 » . ثم أكد سبحانه - خلقه لكل شيء ، وقدرته على كل شيء . فقال - تعالى - * ( نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ . عَلى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ ، ونُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ ) * . أي نحن وحدنا الذين قدرنا لموتكم آجالا مختلفة ، وأعمارا متفاوتة ، فمنكم من يموت
--> ( 1 ) سورة المؤمنون الآيات 12 - 14 . ( 2 ) حاشية الجمل على الجلالين ج 4 ص 278 .